الشيخ السبحاني
70
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
الملائكة وسائط في التدبير الملائكة وسائط بينه تعالى وبين الأشياء بدءا وعودا ، على ما يعطيه القرآن الكريم ، بمعنى أنّهم أسباب للحوادث فوق المادية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة ، وبعده . أمّا في العود ، أعني حال ظهور آيات الموت وقبض الروح وإجراء السؤال وثواب القبر وعذابه ، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك مجددا ، والحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين ، والحساب ، والسوق إلى الجنة أو النار فوساطتهم فيها غنية عن البيان . والآيات الدّالة على ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها والأخبار المأثورة فيها عن النبي وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) فوق حدّ الإحصاء . وكذا وساطتهم في مرحلة التشريع من النزول بالوحي ودفع الشياطين عن المداخلة فيه ، وتسديد النبي ، وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار . وأمّا وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة فيدل عليها قوله سبحانه : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً « 1 » . فإنّ المراد من « النّازعات » التي أقسم بها القرآن هو الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد ، و « غرقا » كناية عن الشديد في النزع . والمراد من « الناشطات » التي تخرج الأرواح برفق وسهولة . و « السابحات » النازلة من السماء مسرعة والسبح الإسراع في الحركة كما يقال للفرس سابح إذا أسرع في جريه . و « السابقات » نفس الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح و « فالمدبّرات أمرا » الملائكة المدبرة لأمور الكون . فشأن الملائكة أن يتوسطوا بينه تعالى وينفذوا أمره كما يستفاد من قوله
--> ( 1 ) سورة النّازعات : الآيات 1 - 5 .